تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
50
محاضرات في أصول الفقه
الأتم والأكمل ، وليست المعاليل موجودات اخر في قبال وجوداتها ، بل هي تتولد منها ومن مراتب وجودها النازلة ، وعليه فبطبيعة الحال تتناسب معها ، مثلا : معنى كون الحرارة معلولة للنار هو أن النار تملك الحرارة في صميم ذاتها وتتولد منها وتكون من مراتب وجودها ، وهذا هو التفسير الصحيح لاعتبار السنخية والتناسب بينهما . فالنتيجة : أن الكائنات الطبيعية بعللها ومعاليلها جميعا خاضعة لقانون التناسب والتسانخ ، ولا تتخلف عن السير على طبقه أبدا . وعلى ضوء هذا فلا يمكن القول بأن ترتب المعاليل على عللها بمجرد جريان عادة الله تعالى بذلك من دون علاقة ارتباط ومناسبة بينهما رغم أن العادة لا تحصل إلا بالتكرار . وعليه ، فما هو المبرر لصدور أول معلول عن علته مع عدم ثبوت العادة هناك ؟ وما هو الموجب لتأثيرها فيه ووجوده عقيب وجودها ؟ ومن الطبيعي أنه ليس ذلك إلا من ناحية ارتباطه معه ذاتا ووجودا ، فإذا كان المعلول الأول خاضعا لقانون العلية فكذلك المعلول الثاني . . . ، وهكذا ، بداهة عدم الفرق بينهما من هذه الناحية أبدا . وكيف يمكن أن يقال : إن وجود الحرارة - مثلا - عقيب وجود النار في أول سلسلتهما الطولية مستند إلى مبدأ السنخية والمناسبة وخاضع له ، وأما بعده فهو من جهة جريان عادة الله تعالى بذلك ، لا من جهة خضوعه لذلك المبدأ ؟ فالنتيجة : أن مرد هذه المقالة إلى إنكار واقع مبدأ العلية ، وهو لا يمكن . وأما الثانية وهي الأفعال الاختيارية : فقد تقدم أنها تصدر بالاختيار وإعمال القدرة ، فمتى شاء الفاعل إيجادها أوجدها في الخارج ، وليس الفاعل بمنزلة الآلة كما سيأتي ( 1 ) بيانه بصورة مفصلة . على أنه كيف يمكن أن يثبت العادة في أول فعل صادر عن العبد ؟ فإذا ما هو المؤثر في وجوده ؟ فلا مناص من أن يقول : إن المؤثر فيه هو إعمال القدرة
--> ( 1 ) سيأتي التفصيل في ص 53 فانتظر .